نصر حامد أبو زيد

114

الاتجاه العقلي في التفسير

ولا يخرجون بهذه المعاني إلى حد الانسان . وإذا ذمّوا قالوا : هو الكلب والخنزير ، وهو القرد والحمار ، وهو التيس ، وهو الذئب ، وهو العقرب ، وهو الجعل ، وهو القرنبى ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم ، ولا يخرجون بذلك الانسان إلى هذه الحدود وهذه الأسماء » 67 أما الشرط الثاني للانتقال باللفظ من معنى إلى معنى - إلى جانب علاقة المشابهة بين المعنيين - فهو أن يكون هذا النقل من صنع الجماعة لا من صنع الفرد ، ولا يجوز للفرد - والحالة هذه - إلّا السير على الدرب الذي مهّدته الجماعة قبله وذلك حفاظا على الإبانة اللغوية أن يعتورها الغموض . وقد يبدو أحيانا أن الجاحظ يعطي هذا الحق - حق النقل والاشتقاق - للشعراء وحدهم ، ويجعلهم سدنة على اللغة لهم كل الحرية في تغييرها واستخدامها كيف شاءوا . ولكن المؤسف أن الجاحظ يتحدث عن طبقة من الشعراء - شعراء العصر الجاهلي - كان لها وحدها هذا الحق ، أمّا الشعراء بعدهم فعليهم الاحتذاء والتقليد . والدليل على ذلك أنه يعدد - في نص طويل - تشبيهات الشعراء كأنه يقوم بعملية حصر ليهتدي بها ويتعلم منها شعراء عصره ، وهو من ناحية أخرى يمنع الشعراء من القياس على تشبيهات الشعراء السابقين يقول : « وسموا الجارية غزالا ، وسموها أيضا خشفا ، ومهره ، وفاختة وحمامة ، وزهرة ، وقضيبا وخيزرانا على ذلك المعنى . . . وليس هذا مما يطرد لنا أن نقيسه وإنما نقدم على ما أقدموا ونحجم عمّا أحجموا وننتهي إلى حيث انتهوا ونراهم يسمون الرجل جملا ولا يسمونه بعيرا ، ولا يسمون المرأة ناقة ، ويسمون الرجل ثورا . ولا يسمون المرأة بقرة ، ويسمون الرجل حمارا ولا يسمون الرجل أتانا ، ويسمون المرأة نعجة ولا يسمونها شاة » 68 وهكذا يفقد الفرد المعبر - باستثناء طبقة الشعراء القدماء - أي فعالية في اثراء اللغة ، أو اثراء التجربة الشعورية التي هي موضوع الشعر أو النص البليغ . هذا التقييد من حرية الفرد في الاشتقاق المجازي كان ضروريا عند الجاحظ للمحافظة على الوظيفة البيانية للغة كما فهمها الجاحظ . ولكن هذا التقييد في مجال البيان الانساني ، قابلته حرية واسعة في مجال البيان القرآني . وذلك على أساس أن اللغة ، ملك للّه وهي عارية في أيدي البشر ، ومن ثم فله كل الحرية في وضعها حيث شاء . ومن جهة أخرى فقد ربط الجاحظ اللغة بالمعرفة . وقد تفرّد اللّه سبحانه بمعرفة ما لا يمكن أن يعرفه أحد من خلقه « فإذا كان للنابغة أن يبتدئ » الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة ، كقوله : والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد